هناك كتب ندخلها ونحن نحمل عنها معرفة مدرسية، ثم نكتشف أننا لم نقرأها حقًّا. كان الأيام واحدًا من هذه الكتب بالنسبة إليّ. ما إن اقتربت من صوت الطفل حتى تراجعت الصورة الرسمية للكاتب، ووجدت حكاية إنسان يحاول أن يفهم البيت والقرية وما وراء حدودهما.

لفتني أن العالم يُبنى هنا بالأصوات والملامس والإيقاع. للخطوات والأحاديث وتفاصيل الطريق حضور لا يقل عن حضور المشهد المرئي. هذا الانتباه جعلني أقرأ ببطء، وأفكر في الأشياء التي أمر بها يوميًّا دون أن أصغي إليها، وفي اتساع التجربة حين لا نختزل المعرفة في حاسة واحدة.

في الحديث عن التعليم شعرت بمزيج من الرغبة والمرارة. لا تُرسم المعرفة طريقًا ممهدًا، ولا تُعفى البيئة المحيطة من النقد. ومع ذلك، يبقى التوق إلى الخروج من ضيق المألوف حيًّا. أحببت أن هذا التوق لا يلغي خوف الطفل ولا حاجته إلى الحنان والاعتراف.

أسلوب السرد جزء من متعة الكتاب. المسافة التي يضعها طه حسين بين الراوي والطفل تمنح التذكر رقة وتأملًا، وتسمح للبالغ أن ينظر إلى ماضيه دون أن يتظاهر بأن كل شيء كان واضحًا منذ البداية. وجدت في هذه المسافة ما يشبه طريقة الذاكرة نفسها: نقترب من المشهد ثم نراجعه من بعيد.

خرجت من الأيام بانطباع أن السيرة الجيدة لا تطلب منا الإعجاب بصاحبها فقط، بل توسع فهمنا لحياتنا نحن. تذكرت أسئلة قديمة، ومعلمين، وأشياء تعلمتها بصعوبة. وهذا ما جعل الكتاب قريبًا: ليس لأنه يشبه طفولتي، بل لأنه جعلني أصغي إليها على نحو مختلف.