دخلت هذه الرواية وأنا أظن أنني سأقرأ حكاية عودة إلى قرية على النيل. لكن العودة هنا ليست نهاية سفر، بل بداية أسئلة لا يملك أصحابها إجابات مريحة. يعود الراوي من الدراسة في الشمال ليجد أن المكان المألوف يستطيع أن يخفي حياة كاملة لم يكن يعرفها.
أحببت طريقة الطيب صالح في جعل القرية أكثر من خلفية للأحداث. النهر والبيوت والأحاديث اليومية تمنح الحكاية إيقاعًا حيًّا، كأن صوت السرد يأتي من مجلس قريب. وفي هذا الهدوء تتسلل حكاية مصطفى سعيد، فتتغير دلالة كل ما سبقها دون ضجيج.
لم أستطع أن أتعامل مع مصطفى سعيد بوصفه جوابًا واحدًا على علاقة الشرق بالغرب. بدا لي شخصية متناقضة، تتداخل في تجربتها الرغبة في الاعتراف مع الغضب والوحدة. قوة الرواية، في نظري، أنها لا تطلب مني تبرئته ولا اختصاره في رمز، بل تتركني أمام إنسان يصعب الاطمئنان إلى روايته عن نفسه.
توقفت أيضًا عند أصوات النساء وما تكشفه من حدود الحرية داخل المجتمع. حين تتقاطع الحكايات، لا تعود أسئلة السلطة محصورة في استعمار بعيد؛ إنها تحضر في البيت والقرار اليومي وفيمن يُسمح له بالكلام. هذه الطبقة جعلت قراءتي أقل راحة وأكثر انتباهًا.
أغلقت الكتاب وبقي النهر في ذهني. ليس لأنه مشهد جميل فحسب، بل لأنه يجمع الانتماء والخطر، ويجعل النجاة فعلًا يحتاج إلى اختيار. هذه من الروايات التي لا أبحث بعدها عن خلاصة، بل عن قارئ آخر أستطيع أن أتبادل معه الأسئلة.
